محمد محمد أبو موسى
593
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وأشرت إلى أن التأكيد في طريقة الاستثناء ليس خاصا بتأكيد المدح ولا بتأكيد الذم . ولما كنت أتكلم هنا عن ألوان البديع رأيت من الحسن أن أذكر شيئا من كلامه في هذه الطريقة ليتضح لنا مقدار ما عالجه من فنون البديع ، وكيف كان يعالجها ، يقول الزمخشري في قوله تعالى : « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً » « 89 » : « أي ان كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا الا ذلك ، فهو من وادى قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب » « 90 » . ويقول في قوله تعالى : « قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ » « 91 » : « فان قلت : لم رفع اسم اللّه واللّه يتعالى أن يكون ممن في السماوات والأرض ؟ قلت : جاء على لغة بنى تميم حيث يقولون : ما في الدار أحد الا حمار ، يريدون ما فيها الا حمار ، كأن أحدا لم يذكر ، ومنه قوله : عشية ما تغنى الرّماح مكانها * ولا النّبل إلا المشرفىّ المصمّم وقولهم : ما أتاني زيد الا عمرو ، وما أعانه اخوانكم الا اخوانه . فان قلت : ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي ؟ قلت : دعت اليه نكتة سرية حيث أخرج المستثنى مخرج قوله : الا اليعافير ، بعد قوله : ليس بها أنيس ، ليئول المعنى إلى قولك : ان كان اللّه ممن في السماوات والأرض فهم يعلمون الغيب ، يعنى أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون اللّه منهم ، كما أن معنى ما في البيت : ان كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس بتا للقول بخلوها عن الأنيس » « 92 » .
--> ( 89 ) مريم : 62 ( 90 ) الكشاف ج 3 ص 20 ( 91 ) النمل : 65 ( 92 ) الكشاف ج 3 ص 297 وما بعدها .